الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
121
نفحات الولاية
وليس هناك قادر على طلبتي غيرك ، وهذه هي حقيقة توحيد الصفات وتوحيد الأفعال ، ثم يختتم الخطبة : « فهب لنا في هذا المقام رضاك ، وأغننا عن مد الأيدي إلى سواك ، إنّك على كل شيء قدير » ، ما أروع هذا الرجل العظيم الذي فاض كل هذه الفصاحة والبلاغة والعلم والمعرفة ، ثم يختتم عباراته بهذا الدعاء العظيم الذي يكشف عن مدى تواضعه وتذلله للَّه فيسأله رضاه ولا يلتفت إلى أحد سواه . تأمّل : في اعجاز البيان . كما أنّ القرآن الكريم من المعاجز الخالدة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله فانّ بعض خطب نهج البلاغة حقاً لفي حد الاعجاز ! أي لا يمكن أن تصدر سوى عن المعصوم ، وليس ذلك لاحد سواه . ومن ذلك هذه الخطبة المسماة بالأشباح . التي نعرض لشرحها . فقد انطوت هذه الخطبة على عبارات غاية في الفصاحة والبلاغة ، إلى جانب رقتها وحلاوتها وعذوبة ألفاظها بحيث تتسلل إلى أعماق روح الإنسان فتملأها معنوية ونوراً وانفتاحاً على الله سبحانه ، أمّا المفردات التي استعملها الإمام عليه السلام فهي غاية في العمق والرصانة بحيث لا يمكن ( الوقوف عليها دون الرجوع إلى مصادر العربية وآدابها . أمّا مضمونها فهو الآخر ( رصين ) عميق لا يمكن تصور مثيله بشأن صفات الله وعلمه واحاطته بكل شئي ؛ الأمر الذي يكشف عن حقيقة ما أورده الإمام عليه السلام في الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية : « ينحدر عني السيل ولا يرقى الاالطير » . وأمّا من ناحية الآثار التربوبية ، فقد تطرق عليه السلام إلى نعم الله سبحانه بأدق تفاصيلها بما يثير حس الشكر لأيإنسان يتأملها ويرى نفسه مقصرا أمام كل هذه النعم التي أفاضها عليه سبحانه ، وإذا تأمل سعة علمه سبحانه وحضوره يدرك بكل كيانه معنى هذه العبارة « أنّ العالم حاضر عند الله ، وعليه فلا ينبغي معصيته والتمرد عليه » أمّا الأدعية العرفانية آخر الخطبة والتواضع التام للإمام عليه السلام بعد كل هذا البيان فهو الآخر درس لكافة الأفراد في عدم الغفلة والغرور والتوجه إلى الله وطلب الحاجات منه ، كيف لا وهو الكريم ، الرحيم ، المنعم والغفور الودود .